ابن إدريس الحلي
212
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
الموتة « 1 » بين الحالين . ويحتمل لو كان متصلا أن يكون ذلك عبارة عن عظم ما يشاهدونه ويحصلون « 2 » فيه يوم القيامة : فكأنهم كانوا قبل ذلك في مرقد ، وان كانوا في عذاب لما كان قليلا بالإضافة إلى الحاصل . فصل : قوله « ولَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً » الآيات : 62 - 65 . يعني : أضل عن الدين الشيطان « مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً » أي : خلقا كثيرا ، وإضلاله إياهم هو اغواؤه لهم ، كما أضل السامري قوم موسى لما دعاهم إلى عبادة العجل فكان الإضلال على هذا الوجه قبيحا . فأما إضلال اللَّه تعالى للكفار عن طريق الجنة إلى طريق النار ، أو اضلالهم بمعنى الحكم عليهم بالضلال ، فهو حسن . وأمر الشيطان بالضلال الذي يقع معه القبول إضلال ، كما يسمى الامر بالاهتداء الذي يقع عنده القبول هدى . وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة في إرادة اللَّه تعالى اضلالهم ، لان ذلك أضر عليهم من إرادة الشيطان وأشد عليهم في إيجاب العداوة . ثم أخبر تعالى بأنه يختم على أفواه الكفار يوم القيامة ، فلا يقدرون على الكلام والنطق « وتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » وقيل : في معنى شهادة الأيدي قولان : أحدهما : أن اللَّه تعالى يخلقها خلقة يمكنها أن تتكلم وتنطق وتعترف بذنوبها . والثاني : أن يجعل اللَّه فيها كلاما ونسبه إليها لما ظهر من جهتها . وقال قوم : انه يظهر فيها من الامارات ما يدل على أن أصحابنا عصوا بها وجنوا بها أقبح الجنايات ، فسمى ذلك شهادة ، كما يقول القائل : عيناك تشهد
--> ( 1 ) . في التبيان : النومة . ( 2 ) . في التبيان : ويحضرون .